يكتبها : محمد علي الحريشي
الإمبراطوريات والممالك تمر بدورة حياة مثل الكائنات الحية لها بداية ولها نهاية حتمية وهي النهاية والموت، عالم الإجتماع العربي عبدالرحمن بن خلدون، ذكر ذلك في كتابة الشهير «مقدمة أبن خلدون» خلاصة ما قاله عن موت الممالك والدول: «الممالك والدول مثلها مثل الإنسان، تولد وتنمو وتزدهر وتضعف وتشوخ وتتفكك وتنتهي بالموت،وتحل محلها ممالك أخرى،أو تلحق بممالك أخرى، ويطول عمر الممالك بالعدل، ويقصر بالظلم، وتنتهي وتتفكك بالنزاعات والخلافات والحروب وقلة الموارد ».
الإمبراطورية الأمريكية التي ولدت في القرن الثامن عشر الميلادي، نشأت ونمت وكبرت على الظلم والطغيان والقتل والتطهير العرقي وإستعباد الشعوب ونهب ثرواتها،تجمع فيها شذاذ الأفاق من المرابين اليهود والماسون والملحدين وعبدة الشيطان والشواذ وأرباب الشركات الإحتكارية الذين ينهبون ثروات الشعوب وعصابات الإجرام والقتل والقراصنة، الذين هاجروا إلى الأرض الجديدة،التي أطلقوا عليها إسم «أمريكا»، تجمعت في الإمبراطورية الأمريكية كل عوامل القوة الطاغية من بداية القرن العشرين الميلادي، خاصة من بعد الحرب العالمية الثانية. أمسكت أمريكا بإقتصاد العالم عبر عملة الدولار، الذي تم ربطه كإحتياط يؤمن عملات الدول الأخرى بديلاً عن الذهب، أصبحت أمريكا تسرق وتنهب ثروات العالم، مقابل طبعها كميات من أوراق عملة الدولار، وتتحكم بمؤسسات المال الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الذي يشرف ويهيمن على الحركة الإقتصادية والتجارية العالمية، وحركة تداول رأس المال في المبادلات والصفقات التجارية. هيمنت أمريكا لعقود في جوانب العلوم والتكنولوجيا، والصناعات المدنية والعسكرية، وصناعة وتوجيه الإعلام، لم يكن لها منافس خلال العقود الماضية من القرن العشرين غير الإتحاد السوفيتي في الجانب العسكري والسياسي فقط. دخلت الإمبراطورية الأمريكية العملاقة في مرحلة الشيخوخة والضعف، وبدأت تفقد عوامل قوتها--السياسية والإقتصادية والعسكرية والعلمية والثقافية والإعلامية - من بداية القرن الواحد والعشرين، فمن الناحية الإقتصادية والصناعية، ظهر العملاق الصيني الذي نما بمعدلات متزايدة خلال السنوات الماضية من بداية عقد ثمانينات القرن العشرين الماضي، حتى أصبحت الصين-في الوقت الحاضر- القوة الإقتصادية والصناعية والتجارية الأولى على مستوى العالم، لاشك في هيمنة الإقتصاد الصيني على العالم، وهو هيمنة إنتاج صناعي وتسويق وجودة منتج، وأسعار مناسبة ومنافسة تجارية، قضت على الإحتكار الإقتصادي الرأسمالي الأمريكي والغربي.
وبشهادة خبراء الإقتصاد في العالم، أصبحت الصناعات الأمريكية والغربية في حالة من الركود، ومهددة بالإنكماش والتراجع في الإنتاج، بسبب غلاء المنتج الأمريكي وتحول كثير من دول وشعوب العالم، إلى توريد المنتجات الصينية، بديلاً عن المنتجات الأمريكية، بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، الذين أصبحوا يستهلكون المنتجات الصينية.
هناك عوامل عديدة أدت إلى تعاظم النفوذ والقوة التجارية والإقتصادية والصناعية والعلمية الصينية، منها عوامل سياسية مثل عدم تدخل الصين في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وعدم تغذيتهم للصراعات والحروب الداخلية بين مختلف دول وشعوب العالم، وعدم وجود قواعد عسكرية صينية منتشرة في مختلف دول العالم، التي ترهق الميزانية العامة للدلة بالنفقات الباهضة، هناك عامل هام- وهو قوة البنية السياسية والدستورية للدولة الصينية، التي تقوم على معايير العدالة الإجتماعية، وحفظ الحقوق، والنظام الصارم للدولة، الذي لامكان فيه للفساد المالي والإداري والمجاملات،ولاتوجد أحزاب سياسية في الصين، تستخدم الكذب والخداع والبرامج الوهمية لشراء أصوات الناخبين، وهدر مليارات الدولارات في الدعاية الإنتخابية، وشراء الولاءات والمساومة للوصول إلى محاصصة حزبية في تولي المناصب الحكومية، تكون على حساب المصلحة العامة، الدولة الصينية هي أكثر دولة في العالم هدوءاً وإستقراً وتماسكاً، ولاوجود لجماعات الضغط، ودولة عميقة داخل الدولة، بعكس ماهو من موجود في أمريكا من فساد سياسي وشراء للولاءات يتحكم فيها اللوبي اليهودي الصهيوني، وعنصرية طبقية، ونظام إقتصاد رأس مالي طفيلي ربوي جشع، تنعدم فيه معايير العدالة ويتحكم فيه أرباب الشركات الكبرى.
الدولة الصينية أجرت إصلاحات إقتصادية، مبنية على أسس علمية راسخة، منذ بداية نهضتها في منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي، حتى وصلت إلى ماوصلت إليه من نهضة وريادة وتفوق وتقدم، أوصلها إلى المرتبة الأولى، كأكبر قوة إقتصادية وصناعية وتجارية في العالم.
وصلت المنتجات الصناعية الصنية إلى كل دول العالم، وفي نفس الوقت، تنمو قوتها العسكرية والعلمية بمعدلات متزايدة،يتوقع الخبراء الأمريكيون وغيرهم، أن تصبح الصين، العملاق العسكري الأول في العالم، خلال السنوات القليلة القادمة.
أصبح المارد الإقتصادي والصناعي والتجاري والعسكري والعلمي الصيني، واقعاً معاشاً، لايمكن لأي قوة في العالم، الحد من إندفاعه وتقدمه إلى الأمام، فمهما حاول الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، وإدارته من إتخاذ إجراءات حمائية للإقتصاد الأمريكي، بفرض رسوم جمركية للتأثير على الإقتصاد الصيني، فلن يكتب لذلك النجاح، فرض رسوم جمركية من قبل الرئيس الأمريكي، على الواردات الصينية، لن تؤثر على الاقتصاد الصيني، لأن مجموع الواردات الصينية، إلى الداخل الأمريكي معدلها %2 فقط، من مجموع الواردات الصينية، إلى مختلف دول العالم، فأمريكا ليست شريكاً تجارياً للصين. الإجراءات الإقتصادية التي يتخذها الرئيس الأمريكي ضد الصين تضر بالمستهلك الأمريكي، وخير شاهد ماحدث من خسائر كبيرة، تكبدتها البورصات الأمريكية،التى بلغت أكثر من عشرة تريليون دولار، خلال أسبوع واحد فقط، من بعد إعلان الرئيس الأمريكي، ببدىء تطبيق الرسوم الجمركية الجديدة على الواردات. الإقتصاد الأمريكي، يمر بأزمة حقيقية، ويعاني الكساد والتراجع، على مستوى الداخل الأمريكي، وعلى مستوى الخارج، والنظام الإقتصادي العالمي، الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة الأمريكية، خلال العقود الماضية، في طريقه إلى النهاية،وبضعف أمريكا إقتصادياً سوف يتراجع دورها العسكري والسياسي على مستوى العالم، لأن الأقتصاد في حياة الغرب هو كل شيء، وبإنهيار العمود الإقتصادي، تنهار معه كل أعمدة القوة الأخرى.
سياسة تفكيك الجبهات التي يستخدها الرئيس الأمريكي «ترامب» لن تجدي نفعاً، فلم يكن تقربه من الرئيس الروسي«بوتين»، بعد وصله إلى الحكم- في البيت الأبيض-، غير سياسة يهدف من وراءها، إلى تفكيك الجبهات التي أثرت على أمريكا، مثل الترابط الإقتصادي والسياسي والعسكري الروسي الصيني، والروسي الإيراني، وفي الحقيقة، تودد الرئيس «ترامب»، إلى روسيا،هو مظهر من مظاهر هزيمة أمريكا عسكرياً، أمام الجيش الروسي في أوكرانيا، أمريكا والغرب، هزموا في حربهم العسكرية والسياسية والإقتصادية أمام روسيا، في الحرب الأوكرانية، ومن نتائج هزيمتها أمام روسيا، الأزمة الإقتصادية التي تمر بها، على كافة المستويات في الداخل الأمريكي، إنها البدايات الحتمية لنهاية وموت وزوال إمبراطورية الشر والإجرام والظلم والطغيان الأمريكية، وحتماً سوف تموت وتنتهي.